الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
45
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ عطف على قوله : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ الآية . والمقصد التعميم في هذا الحكم في السفر للمسلمين لئلا يتوهم تخصيصه بالنبيء صلّى اللّه عليه وسلّم . وحصل من تكرير معظم الكلمات تأكيد للحكم ليترتب عليه قوله لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ . وقد تكرر الأمر باستقبال النبي الكعبة ثلاث مرات ، وتكرر الأمر باستقبال المسلمين الكعبة مرتين . وتكرر أنّه الحقّ ثلاث مرات ، وتكرر تعميم الجهات ثلاث مرات ، والقصد من ذلك كله التنويه بشأن استقبال الكعبة والتحذير من تطرق التساهل في ذلك تقريرا للحق في نفوس المسلمين ، وزيادة في الرد على المنكرين التأكيد ، من زيادة وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ ، ومن جمل معترضة ، لزيادة التنويه بحكم الاستقبال : وهي جملة وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ الآيات ، وجملة : وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وجملة : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ الآيات ، وفيه إظهار أحقية الكعبة بذلك لأن الذي يكون على الحق لا يزيده إنكار المنكرين إلّا تصميما ، والتصميم يستدعي إعادة الكلام الدال على ما صمم عليه لأن الإعادة تدل على التحقّق في معنى الكلام . وقد ذكر في خلال ذلك من بيان فوائد هذا التحويل وما حفّ به ، ما يدفع قليل السآمة العارضة لسماع التكرار ، فذكر قوله : وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ إلخ ، وذكر قوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ إلخ . والضمير في وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ راجع إلى مضمون الجملة وهو حكم التحويل فهو راجع إلى ما يؤخذ من المقام ، فالضمير هنا كالضمير في قوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ [ البقرة : 146 ] . وقرأ الجمهور عَمَّا تَعْمَلُونَ بمثناة فوقية على الخطاب ، وقرأه أبو عمرو بياء الغيبة . وقوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ علة لقوله : فَوَلُّوا الدال على طلب الفعل وامتثاله ، أي شرعت لكم ذلك لندحض حجة الأمم عليكم ، وشأن تعليل صيغ الطلب أن يكون التعليل للطلب باعتبار الإتيان بالفعل المطلوب . فإن مدلول صيغة الطلب هو إيجاد الفعل أو الترك لا الإعلام بكون الطالب طالبا وإلّا لما وجب الامتثال للآمر فيكتفى بحصول سماع الطلب لكن ذلك ليس مقصودا .